اليوم ما قبل الأخير لفعاليات مهرجان الفيلم العربي الفرنسي في عمَان كان أغلبه مخصصاً لمسابقة الأفلام الأردنية القصيرة ، وهي فعالية تقدم لأول مرة عبر هذا المهرجان . تم عرض ثمانية أفلام قصيرة ، الخمسة الأولى كانت لتعاونية عمَان للأفلام، والحكم للجمهور ، حيث وزعت أوراق ‘إنتخاب‘ وستعلن النتائج غداً ، على أن يعرض الفيلم الفائز بالمرتبة الأولى قبل عرض آخر فيلم غداً وهو ‘جنينة الأسماك ‘ للمخرج المصري يسري نصر الله.
لا أدري ما قصة الجمهور مع حضور هذه النوعية من الأفلام ، فالحضور كان قليلاً ، والعديد منهم كان من عائلة المخرج وأصدقائه ، لكن يبدو أن معظم الشعب لم يسمع بالمهرجان من أصله رغم مجانية فعالياته. الى جانب المخرجين والنقاد المحليين ، حضر أيضاً المخرج المصري الكبير يسري نصر الله عروض الفلام الأردنية القصيرة ، وقد كانت فرصة جميلة أن جلست على الطاولة ذاتها معه ومع مخرجي التعاونية والناقد الكبير عدنان مدانات، وقد أبدى يسري إعجاباً بفيلم ‘المشهد‘ وكان فيلمه المفضل ، وأطرى أيضاً على الأسلوب التقني لـ ‘لم يحن دوري بعد ‘ و ‘فراشة‘ .

الفيلم الأول كان الفيلم المفضل لي وهو ‘المشهد‘ ، من إخراج رفقي عساف وحازم البيطار ، وهو دراما عن قناص اسرائيلي مكلف بمهمة بمراقبة لأحد الفدائيين بغرض تصفيته ، لكنه ينشغل بمتابعة إمرأة ورجل فلسطينيين في العمارة المقابلة له ، تدور بينهم دراما أخرى لا ندري ما هي . تميز الفيلم انه صور بلقطة واحدة مدتها ربع ساعة تقريباً ، من جهة القناص الاسرائيلي ببندقية القنص الموجهة للجهة المقابلة .
الفيلم نجح في بناء جو من الاثارة والترقب بينما يتجول القناص بمنظار بندقيته متابعاً المشهد الذي يدور أمامه ، مع حوار بينه وبين الضابط المسؤول عنه يتطور الى محاولة استكشاف نفسية للحرب والقتل بمفاهيمها وأخلاقياتها المفترضة وعبثها. رغم قصر مدته التي ربما كانت مناسبة لحبكة كهذه ، الا انه أبرز مهارة صانعي الفيلم في بناء عمل درامي متكامل من نص وأداء وتصوير سينمائي. فيلم محلي قصير بهذا الأسلوب المميز لهو شئ جدير بالاهتمام فعلاً.
الفيلم الثاني هو ‘لم يحن دوري بعد‘ من اخراج ربيع زرقات وحازم بيطار. في خمسة دقائق تقريباً وببساطة تقنية شديدة ، يملك هذا الفيلم التجريبي عمقاً في الموضوع الذي يناقشه . رحلة روتينية تتقاطع مع حدث غير مجراها و غير الادراك لمعني الحياة ولو للحظة . ربيع زريقات ولين سمارة في طريقهما الى البحر الميت ، وبينما يقومان بتصوير الشارع امامهما من داخل المركبة يقع حادث انفجار عند نقطة تفتيش ، سيارة تنفجر لتقلت ثلاثة أشخاص ، قبل قليل من وصول الطاقم الى تلك النقطة ، معفية حياتهم بصدفة أو قدر .
جميل في هذا الفيلم أن يكون رمزياً رغم بساطته ، فالطريق الى البحر الميت يرمز الى الحياة ذاتها ، والحوار يقوم بهمة توصيل فكرة فلسفية عن الحياة وادراك التغيير الذي حصل ” و البساط الأسود السميك ينفتح أمامنا ، يدلنا على طريق الخلاص.. ” . يقوم الفيلم بطرح فكرة الخوف الانساني الطبيعي من الموت ، وينجح في ايصال لحظة ادراك أن حياتهم قد أعفيت ومددت ولو لفترة قصيرة ، بينما يعم الاحساس بتقدير للحياة وقيمتها .
الفيلم الثالث هو ‘ ثلاثة عيون ‘ لروان زين وحازم بيطار ،فيلم تجريبي ممتاز مدته تسعة دقائق تقريباً يقوم باستكشاف الاحساس الانساني المختلف عن طريق التلاعب بالصورة وتقديمها بأوعية مختلفة . محاولة استكشاف الواقع الذاتي والإدراك الشخصي للأشياء ومعناها . صور الفيلم بمعظمه في منطقة وسط البلد في عمَان ، مطلقاً عيناً على الفقر والتشرد والعمالة . وعند التطرق الى هكذا موضوع فلسفي سيكولوجي ، نستطيع اعطاء الفيلم عمقاً . الكاميرا كانت قاسية بعض الشئ في تحركها ، لكنها غذت الفيلم بلحظات تعكس الواقع ،و غياب اللون يلغي بعض العواطف التي يمكن أن تؤثر على حساب موضوع الفيلم ، وربما سوء الحكم .
الفيلم الرابع وهو ‘رشا‘ لتعاونية عمَان للأفلام أيضاً ، وقد تمت صناعته نتيجة ورشة عمل سينمائية (صناعة أفلام الأمل) قامت بها التعاونية في غور المزرعة بالتعاون مع الوكالة الاسبانية للتعاون الدولي . الفيلم بسيط جداً ، ولا يزيد عن كونه محاولة تشجيعية سينمائية لأهالى الغور ، وهو عن ‘رشا‘ فتاة تريد أن تصبح مخرجة رغم انقسام بعض الأهالي بين معارض ومؤيد لها ، كوميديا بسيطة تحاول اظهار الواقع المعيشي والثفافي للسكان. الفيلم الخامس بسيط أيضاً وهو ‘اليسا‘ لمنصور أبو شايب ، حسن فقايا وعبد السلام بركون ، وهو عن عامل بناء من مخيم غزة للاجئين الفلسطينيين في جرش يرتجل قصيده عن محبوبته ‘اليسا‘ التي نكتشف سريعاً انها احدى أدواته . كوميديا بسيطة للغاية لكنها تنجح في ايصال بعض الضحكات الى الجمهور .

‘ فراشة ‘ كان الفيلم السادس ، وهو من إخراج محمد حشكي . الفيلم عبارة عن دراما / آكشن عن شخص ينتظر أن يلتقي بصديقته ليقوم بقطع علاقته معها ، وعندما تصل الى الموعد تخبره أن سائق تاكسي قد قام بالتحرش بها ، فيجن لتندلع معها مجموعة من الأحداث المتلاحقة . في مقدمة الفيلم ، نرع المخرج يضع ثيمة الفيلم الرئيسية في الاقتباس الشائع لنظرية الفوضى ‘ أثر الفراشة ‘ ، وهي ان قامت فراشة برفرفة جناحيها قد تقع سلسلة من الأحداث تؤدي الى حدوث إعصار . لكن هذا الاقتباس لم يوظف بالطريقة المناسبة ، فالنظرية تعتمد على الفوضى المحددة ، أي أن الأحداث المستقبلية قد تبدو عشوائية فوضوية الا انها في الحقيقة محددة بناء على تطور قانوني رياضي معين . الأحدث في الفيلم لا يوجد فيها أي نوع من الفوضى ، فالأحداث واضحة متسلسلة بدون ترك أي مجال للتفكير والعشوائية الظاهرية ، أي أنها تسير بالترتيب من ألف إلى ياء ، فسقط الفيلم من ناحية فكرته النظرية ، وهو لشئ مؤسف لأن أسلوبه جميل وحركي ينجح في خلق نوع من الاثارة ، مع وجود عين سينمائية جيدة للمخرج واداء لم يتسم بالمبالغة والتظاهر كالعادة لممثل الدور الرئيسي.
عرض أيضاً فيلم وثائقي أردني قصير ضمن المسابقة ، وهو ‘مدينتي‘ لعبد السلام الحاج ، وكان فيلماً جيداً الا اني أعتقد أن مكانه ليس مناسباً كوثائقي مع الأفلام الخيالية الأخرى . الفيلم يتناول موضوع قمع المرأة و كونها عورة مع اسقاطات من تاريخ مدينة ‘أم قيس ‘ وآثارها التي تحتفل بالأنوثة ، عن طريق إجراء حوارات مع بعض النسوة ورجل يمثل النظرة التقليدية العقيمة للمرأة. الفيلم ملئ بالصور السينمائية الجميلة. الفيلم الأخير في المسابقة كان ‘15 دقيقة‘ من إخراج هيثم عرب ، فيلم مبتدئ وساذج عن امرأة تحاول إغراء الطبيب المتزوج الذي يسكن في ذات العمارة عن طريق استخدام أغاني متنوعة ، الفيلم قصته مكررة جداً ، ويعطينا في النهاية حبكة القدر التقليدية الساذجة .
خارج المسابقة، عرض فيلم لبناني قصير من عام 2006 هو ‘ من بيروت..للي بيحبونا‘ ، الفيلم أنتج أثناء العدوان الاسرائيلي على لبنان ، وهو عبارة عن رسالة احتجاج قوية على الحرب والحصار الذي تفرضه اسرائيل و إدانة قوية للصمت العربي المعتاد .كان من المفترض عرض الفيلم اللبناني ‘السقوط من الأرض‘ لمخرجه شادي زين الدين ، الا إن البرنامج تغير لوجود مشاكل تقنية ، فاستبدل بالفيلم الذي عرض سابقاً وهو ‘ القلوب المحترقة ‘ للمخرج المغربي الكبير أحمد المعنوني الذي وصل الى عمَان وكان موجوداً لفترة نقاش الفيلم . الفيلم شخصي جداً وهو يعرض فترة سابقة من حياة المخرج ، وقد كان المدون والصحفي ‘محمد عمر ‘ قد كتب مراجعة ممتازة عن للفيلم ، لقراءتها ، اضغط هنا.
مياسي
يوليو 9, 2008
يزن
ايمتى عرض جنينة الأسماك؟؟
و دخلك راس العين هاي كيف بيوصلوها من الشميساني؟؟
mohammad omar
يوليو 9, 2008
للاسف امس انشغلت مع ناس لا يستحقون واضعت فرصة مشاهدة بعض الافلام ولواني شاهدت بعضها اول امس.
اشكرك على العرض الجميل.