
ارتحت كثيراً بعد مشاهدة فيلم ‘إعادة خلق‘ أو ‘Recycle‘ في العرض الذي أقيم في اليوم الأول للمهرجان الرابع عشر للفيلم العربي الفرنسي في عمَان، ارتحت لأن الفيلم ذو جودة عالية بالتأكيد ، سواء من الناحية التقنية أو الفنية ، و تناوله لموضوع حساس كفيلم تسجيلي وبقائه في المساحة الرمادية التي لا تطلق أحكاماً رفع من شأنه أيضاً. خيبة الأمل التي أصابتني بعد مشاهدة ‘كابتن أبو رائد‘ عوضها محمود المساد في فيلمه هذا ، محافظاً على روح السينما بعيداً عن الإسفاه في التكرار والتقليد.
في ‘ إعادة خلق ‘ نتابع مع كاميرا المساد حياة أبو عمار العزام ، مجاهد سابق عاد من أفغانستان الى مدينته الزرقاء ليعيش تقلباتها الاقتصادية والسياسية والدينية. نتيجة لمشاكل عائلية ، فقد أبو عمَار متجره ، فأخذ يعمل بجمع قطع ‘ الكرتون ‘ ليبيعها لاعادة تصنيعها ، ومن هنا يأتي توظيف اسم الفيلم ‘ اعادة خلق ‘ في خدمة الفيلم فنياً عند تناول أفكار أبو عمَار وآراءه تجاه ما يحدث حوله .
نراقب مع الكاميرا واقع الحياة التي يعيشها أبو عمَار في مدينته الزرقاء ، مدينة أبو مصعب الزرقاوي ، الذي يؤدي دوراً في الفيلم كظل يقبع على حياة أهل مدينته التي اشتهرت بسببه. كيف يمكن أن ينشأ التطرف والتعصب في ظل واقع اقتصادي صعب ، هو ما يحاول الفيلم بيانه ، الا أنه لم يكن واضحاً في ذلك ، ويبدو أنه تجنب الخوض في ذلك كثيراً لئلا يدخل المنطقة ‘ البيضاء أو السوداء ‘ كما وصفها المخرج بعد انتهاء العرض، بل اكتفى بالمراقبة الواقعية لحياته اليومية ، مع لمسات مفيدة وساخرة من قبل تعليقات أصدقاءه الذين لهم رأيهم كغيرهم في أمور الدين والسياسة.
الصراع ومحاولة التكييف ما بين قناعات فكرية وواقع معيشي صعب ، يضطر معه أبو عمار الى اتخاذ قرارات ربما لم يكن يؤمن بها ، ولكن الفيلم لا يظهر كثيراً فيما اذا كانت فكره قد تغير ام هو اضطرار فقط لايجاد حل. يبدو أبو عمَار لمشاهد الفيلم في صراع داخلي مع نفسه ، فهو بالنهاية انسان وشخص ، وان لم تكن تلك الشخصية المحببة من قبل الكثيرين ، والتناقضات لها مكانها في مشاهد أثارت ضحك الجمهور ، بينها مسألة نقاش في ما اذا كانت الهجرة الى البلاد الأجنبية جائزة دينياً أم لا ، ورأيهم انه حرام ، حتى انه لهذا السبب لم يهاجر صديقه تاركاً البلد ورائه ، لكن في لقطة ذكية يذهب أبو عمَار الى أحد المستشفيات المسيحية لعلاج زوجته وترصد كاميرا المساد بذكاء تمثال مريم العذراء وصورة المسيح ، في محاولة لابراز هذا التناقض.
ما لفت نظري في الفيلم هو غياب الدور النسائي تماماً ، وحتى زوجة أبو عمَار تظهر بالنقاب ، ويبدو أن محمود المساد قد قصدها لتتماشى مع موضوع الفيلم وشخصيته الملتزمة دينياً بشدة . وكما سمعت من المخرج أثناء فترة أسئلة الجمهور ، فإن محاولة اقناع أبو عمار لتصوير حياته لم تكن سهلة ، وأخذت قرابة الثلاثة أشهر ، ولهذا نجده عفوياً وصادقاً أثناء متابعة الكاميرا له بدون تكلف واصطناع ، فخرج الفيلم كذلك .
كاميرا محمود المساد ذكية ، ترصد الصورة بجودة تقنية وفنية وتنجح في ايصال الواقع كما هو بتناقضاته ، الفيلم حصل على جائزة أفضل تصوير في فئة الأفلام التسجيلية ، والفيلم يستحقها. محمود المساد يعمل حالياً على مشروع آخر هو ‘ جاكي و سيارات الأجرة الأربعين ‘ بدعم من مهرجان كان السينمائي ، ومن الآن أنتظره ، فالمساد أكد في ‘ اعادة خلق ‘ تميزه كمخرج سينمائي جاد ، وآمل أن يكون فيلمه المقبل كذلك .
إعادة خلق
إخراج : محمود المَساد
أداء : أبو عمَار العزام ، أحمد ساهر ، أبو بكر العزام ، راشد سليمان..
الفئة : وثائقي
مدة الفيلم : 78 دقيقة
الأردن – 2008
التقييم الشخصي : 4/5
محمد عمر
يوليو 3, 2008
اشكرك يزن على هذا العرض فقد وفقت اكثر مني في عرض الفيلم
انا اعطيه الفيلم تقدير 4/5 مثلك..
اتمنى ايضا ان نشاهد افلاما بمثل مستوى “اعادة خلق”…
تحية محمد عمر
Yazan Ashqar
يوليو 3, 2008
تحياتي استاذ محمد وشكراً لك ،
المهرجان يبدو حافلاً بأفلام كثيرة سمعتها جيدة جداً ، فأرجوا أن تكون كذلك!